الاثنين، 16 نوفمبر 2015

دور الأمم المتحدة في إقرار حق الشعوب في تقرير المصير " دولة فلسطين نموذجاً "


على خلاف المبادئ الأخرى التي تحكم العلاقات الدولية كالمساواة و عدم التدخل ...إلخ ، فإن حق الشعوب في تقرير مصيرها موجه أساسا لجماعات لا تتمتع بالشخصية القانونية .
وبقي تطبيقه محدودا على الميدان الإستعماري و مشتقاته ، على الرغم من ظهور أوضاع جديدة ، مزقت دول وشعوبا مستقلة كان من اللائق تطبيق هذا المبدأ في حقها .[1]
إن العديد من المؤلفات الكلاسيكية لم تقم بدراسة عميقة لمبدأ الشعوب في تقرير المصير لأنه يعتبر أحدث المبادئ الأساسية للقانون الدولي ، وبالتالي فإدماجه في القانون الوضعي إرتبط على الخصوص بحركة التحرر من الإستعمار في السنوات التي تلت الحرب العالمية الثانية .
كما أن مبدأ حق الشعوب في تقرير المصير يحمل طابعا سياسيا خاصا ، فهو ينتابه غموض كبير في الكتابات الفقهية ، إذ لم يتم الحسم في أمره ، هل هو قاعدة قانونية وضعية أم مجرد مبدأ سياسي إرتبط بظاهرة حركة التحرر من الإستعمار وفقد أهميته وقيمته بعد زوال الأنظمة الإستعمارية ؟
وأثير نقاش فقهي حول إدراج موضوع حق تقرير المصير من ضمن مبادئ الميثاق ، فجانب من الفقهاء يرى أن تناول هيئة الأمم المتحدة لحق الشعوب في تقرير المصير ومنح الإستقلال للأقاليم المستعمرة يعد مساسا لمبدأ السيادة الوطنية وخروجا من جانبها على حكم المادة الثانية الفقرة السابعة من الميثاق ، التي تمنع على الأمم التدخل في الشؤون الداخلية ومساس السيادة الوطنية .[2]
وإتجاه آخر يعتبر أن تصفية الإستعمار و حق الشعوب في تقرير المصير يستحق أن يندرج ضمن مبادئ الميثاق ، وله مكانة خاصة في إختصاصات هيئة الأمم المتحدة ، إستنادا على نص المادة الأولى من الميثاق يحدد أهداف الأمم المتحدة ومن بينها أن تقوم الأمم المتحدة (بإنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس إحترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون منها تقرير مصيرها).[3]
لقد تم التأكيد على مبدأ حق الشعوب في تقرير المصير لأول مرة بوضوح من طرف تصريح الإستقلال الأمريكي بتاريخ 4 يوليوز 1776 ، وذلك من خلال الإشارة إلى كون الناس خلقوا أحرارا وسيظلون أحرارا متساوين في الحقوق ، وأن القانون هو تعبير عن الإرادة العامة في الدولة ، و المواطنون جميعا لهم حق الإشتراك مباشرة أو بواسطة نواب عنهم في تكوين هذه الإرادة وعلى كافة التنظيمات السياسية التي تحافظ على الحقوق الطبيعة للإنسان.
كما أن إعلان الجمعية الوطنية الفرنسية الذي صدر بتاريخ 19 نونبر 1789 ، جاء فيه أن الجمعية تعلن "بإسم الأمة الفرنسية بأنها ستمنح الأخوة و الدعم لجميع الشعوب التي ترغب في إسترداد حريتها ، وتكلف السلطات بإعطاء الأوامر و التعليمات اللازمة لتقديم العون لهذه الشعوب و دفاعا عن المواطنين الذين أصابهم الأذى أو الدين يتعرضون للضرر من أجل قضية الحرية ".[4]
وخلال فترة الحرب العالمية الأولى ، كان لتصريح البنود الأربعة عشر للرئيس الأمريكي ويلسون الخاص بمبادئ التسوية السلمية دور فعال أيضا في إبراز مكانة حق الشعوب في تقرير مصيرها من أجل توطيد السلم داخل المجتمع العالمي ، ولو أن تصريح ويلسون لم يحمل إشارات واضحة ، بل كان يكتنفها بعض الغموض ، حيث إكتفى نص النقطة الخامسة بالسعي إلى حصول إحترام السيادة و مصالح الشعوب المستعمرة التي يجب أن تلقى أهمية مماثلة للمطالب العادلة للحكومات.
وقبل نهاية الحرب العالمية الثانية ، تم إصدار ميثاق الأطلسي في 14 غشت 1941 ، حيث تعهد الرئيسان الأمريكي و البريطاني روزفلت و تشرشل على أن يحترمون حق كل شعب في إختيار شكل الحكم الذي يريد أن يعيشه بكل حرية ، وأن يلتزمون بضمان السيادة و الممارسة الحرة للحكم إلى أولئك الدين حرموا منها بالقوة .[5]
تم جاء ميثاق الأمم المتحدة الذي أقره بشكل واضح بحق الشعوب في تقرير مصيرها ففي الفقرة الثانية من المادة الأولى من الميثاق ، على أن من مقاصد الهيئة " إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس إحترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب ، وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها ، وكذلك إتخاد التدابير الأخرى الملائمة لتعزيز السلم العام" .
وتعد إشارة ميثاق الأمم المتحدة إلى حق تقرير المصير من ضمن مقاصده و مبادئه أمرا في غاية الأهمية ، فهي المرة الأولى التي تم فيها النص على حق تقرير المصير في وثيقة دولية ملزمة قانونا، بل وتعتبر بمثابة الوثيقة الأولى في مجال القانون الدولي .
وكرر الميثاق في المادة 55 منه تأكيده على حق الشعوب في تقرير مصيرها ، بالنص على أنه " رغبة  في تهيئة دواعي الإستقرار و الرفاهية الضروريتين لقيام علاقات سلمية ودية بين الأمم مؤسسة على إحترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب و بأن يكون لكل منها تقرير مصيرها ".
وتشير كل من المادة 73 و 76 من ميثاق الأمم المتحدة بطريقة غير مباشرة إلى هذا الحق ، وإن كان مرتبطا بتلك الشعوب التي لم تحصل على إستقلالها بعد ، وهنا حيث نص الميثاق على أهم أهداف نظام الوصاية هو تهيئة الإقليم الموضوع تحت الوصاية و تطوير ه من أجل إعلان إستقلاله و تقرير مصيره .
ويلاحظ من خلال ما ورد في ميثاق الأمم المتحدة أنه لم يتم تعريف مبدأ حق الشعوب في تقرير المصير و  تدقيق و تحليل مضمونه بعمق ، حيت تم الإكتفاء بالإشارة إليه بإيجاز شديد في باب مقاصد و أهداف الأمم المتحدة ، و يتبين أن المنظمة الأممية عجزت عن التوفيق بين إحترام سيادة الدول و ضمان حق الشعوب في تقرير المصير .
فالهيئة الأممية تفادت الجمع بين مبدأين متعارضين في ذات الوقت ، بين مبدأ حماية الوحدة الإقليمية و السيادة الوطنية للدول ، و مبدأ حق الشعوب في تقرير المصير .
وتوالت جهود هذه الهيئة في سعيها لحماية حق تقرير المصير ، حيث طالبت الجمعية العامة للأمم المتحدة من المجلس الإقتصادي والإجتماعي دعوة اللجنة المعنية بحقوق الإنسان داخل المجلس إلى تقديم الدراسات و الطرق و التوصيات التي من شأنها ضمان تمتع الإنسان و الأمم بحقها في تقرير مصيرها   "لقد أنشأت لجنة حقوق الإنسان من طرف المجلس الإقتصادي و الإجتماعي طبقا لما تنص عليه المادة 68 من الميثاق ، و تعتبر أهم الأجهزة المتفرعة عن المجلس الإقتصادي و الإجتماعي ، وتتكون من 43 دولة عضو منتخبة من المجلس لمدة ثلاث سنوات على أساس التوزيع الجغرافي ، حيث تجتمع اللجنة في دورة سنوية لمدة ستة أسابيع ويحضر جلساتها العلنية مراقبون من الدول الأعضاء في المنتظم الدولي وغير الأعضاء فيه ، كما يحضر إجتماعاتها كذلك المنظمات الدولية الحكومية غير الحكومية ".[6]
طلبت الجمعية العامة للأمم المتحدة من لجنة حقوق الإنسان أن تعمل على إدراج حق تقرير الشعوب لمصيرها في العهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية و السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية و الثقافية .[7]
وإعتبرت الجمعية العامة للأمم المتحدة أن هذا الحق للشعوب وهو من الشروط الأساسية كي تتمتع تلك الشعوب بجميع حقوقها الأساسية ، ( حق البقاء – حق الدفاع الشرعي – الإستقلال و السيادة – حق تقرير المصير – حق المساواة – حق مزاولة التجارة العالمية – الحق في التنمية -  نقل التكنولوجيا ..)[8]
وأن على أعضاء الأمم المتحدة إحترام هذا الحق إمتثالا لما جاء في ميثاق الأمم المتحدة ،تم أصدرت الجمعية العامة بتاريخ 16 كانون الأول سنة 1952 ، توصية رقم 673 الذي إعتبرت فيه بمقتضاه حق الشعوب في تقرير مصيرها شرطا ضروريا للتمتع بالحقوق الأساسية جميعها ، وأنه يتوجب على كل عضو في الأمم المتحدة الحفاظ على تقرير المصير للأمم الأخرى و إحترامه .
وتمثل إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1960 بإصدار أهم التوصيات التي تتعلق بحق تقرير المصير[9] ، تحت إعلان منح الإستقلال للبلدان و الشعوب المستعمرة ، مع ضرورة تهيئة الظروف التي من شأنها إقامة الإستقرار و الرفاه ، وإقامة علاقات سليمة تقوم على أسس و مبادئ تساوي جميع الشعوب بالحقوق ، وحقها في تقرير مصيره ، ومراعاة حقوق الإنسان الأساسية دون تمييز بسبب العرق أو الجنس / اللغة  أو الدين .
مع التأكيد أن إخضاع الشعوب للإستعمار الأجنبي و سيطرته و إستغلاله يتناقض و ميثاق الأمم المتحدة وينكر حقوق الإنسان الأساسية [10]، ولها بمقتضى هذا الحق أن تحدد بحرية مركزها السياسي و تسعى بحرية إلى تحقيق نقص الإستعداد في الميدان السياسي أو الإقتصادي أو الإجتماعي أو التعليمي ، ذريعة لتأخير الإستقلال ، وأن يوضع حد لجميع أنواع الأعمال المسلحة أو التدابير القمعية الموجهة ضد الشعوب التابعة ، لتمكينها من الممارسة الحرة و السليمة لحقها في الإستقلال التام .
إن القراءة التحليلية للتوصية 1514 ، تدفع إلى القول بأن النص تضمن جانب واحد من تطبيق حق الشعوب في تقرير المصير ، وهو الذي يعالج حالة الشعوب التي تخوض كفاحا ضد السيطرة الإستعمارية و الإحتلال الأجنبي ، ذلك في نطاق ممارسة حقها في تقرير مصيرها الذي أقره ميثاق الأمم المتحدة .[11]
وفي المجال نفسه ، أصدرت الجمعية العامة بعدها التوصية رقم 1803 سنة 1982 ، حول السايدة الدائمة على الموارد الطبيعية ، وأن من حق الشعوب ممارسة حقها في السيادة الدائمة على ثرواتها و مواردها الطبيعية ، بما يتناسب مع المصلحة و التنمية القومية ورفاهية شعب الدولة المعنية ، وإعتبرت التوصية 1803 أن إنتهاك حق الشعوب في ثرواتها ومواردها الطبيعية منافيا كل من ميثاق الأمم المتحة ومبادئ ، ويشكل عائقا أمام التعاون الدولي و صيانة السلم .
كما صدر عن الجمعية العامة سنة 1970 التوصية رقم 2625 في الذكرى الخامسة و العشرين لقيام الأمم المتحدة ، المتعلقة بالعلاقات الودية بين الدول وفقا لمبادئ الميثاق ، والتي تعتبر تفسيرا رسميا لميثاق الأمم المتحدة .
حيث أن التوصية الأممية 2625 كرست محدودية إعلان 1514 الذي أغفل المظهر الداخلي لمبدأ حق الشعوب في تقرير المصير ، فالتوصية المذكورة تناولت هذا الحق في نطاق إحترام السيادة الوطنية و الوحدة السياسية للدولة .
أما بالنسبة لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره ، فقد أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة العديد من التوصيات التي تؤكد على حق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف وحقه في تقرير المصير ، ومنها التوصية 2628 سنة 1967 ، والتوصية رقم 2993 الصادرة في كانون الأول 1972 ، اللذان أعربت فيهما الجمعية العامة عن عميق قلقها لعدم السماح للشعب الفلسطيني بالتمتع بحقوقه غير القابلة  للتصرف ، وفي سنة 1975 إتخدت الجمعية العامة للأمم المتحدة توصيتها رقم 3376 التي أشادت باللجنة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف ، والتي جاء فيه:
"تعرب عن تقديرها للجنة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف لما بذلته من جهود في أداء المهام التي أسندتها إليها الجمعية العامة ، وترجو من اللجنة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غبر القابلة للتصرف أن تبقى الحالة المتعلقة بقضية فلسطين قيد الإستعراض ، وأن تقدم تقريرا و إقتراحات في هذا الشأن إلى الجمعية العامة أو مجلس الأمن ، حسب الإقتضاء تأذن اللجنة المعنية بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه غير القابلة للتصرف أن تواصل بذل جميع الجهود للعمل على تنفيذ توصياتها ".[12]
وقد جاءت توصية الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3237 بتاريخ 22نونبر 1974 ، بشأن منح منظمة التحرير الفلسطينية مركز مراقب بالأمم المتحدة ، ودعوتها إلى الإشراك في دورات الجمعية العامة وفي أعمالها بصفة مراقب ، و الإشتراك في دورات كل المؤتمرات الدولية التي تعقد برعاية الجمعية العامة و في أعمالها بصفة مراقب ، وقد أصدرت الجمعية العامة ومجلس الأمن الدوليين العديد من القرارات و التوصيات التي تتعلق بالقضية الفلسطينية والتي تؤكد على أحقية الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وحقوقه غير القابلة للتصرف ، كان آخرها بالدورة السابعة و الستون للجمعية العامة ، إذ تؤكد من جديد حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير و الإستقلال في دولته على الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967 ، وتقرر أن تمنح فلسطين مركز دولة مراقب غير عضو في الأمم المتحدة ، دون المساس بحقوق منظمة التحرير الفلسطينية المكتسبة و إمتيازاتها ودورها في الأمم المتحدة ، بصفتها ممثل الشعب الفلسطيني وفقا للقرارات و الممارسة ذات الصلة .[13]



 لبابة عاشور، العلاقات الدولية بين الإستقطاب الأحادي وتعدد الأقطاب ، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع ،الرباط ، الطبعة الأولى سنة 2002 ، ص : 88 .[1]
 نص المادة الثانية الفقرة السابعة من ميثاق الأمم المتحدة :  [2]
 يونس البحيري ، نظام الأمم المتحدة في مواجهة تحولات الربيع العربي ، المطبعة و الوراقة الوطنية الداوديات مراكش ، ط الأولى 2012 ص129 .[3]
 يوسف البحيري ، مرجع سابق ، ص : 130 .[4]
 نفس المرجع ، ص : 132 .[5]
 عبد المجيد أسعد ، المشاكل السياسية الكبرى المعاصرة،دون دار ومكان النشر، الطبعة الثالثة 1995ـ1996 .ص:[6]
 ياسر غازي علاونه ،فلسطين و عضويتها كدولة في الأمم المتحدة ،الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان ، سلسلة تقارير قانونية رقم 76 ،رام الله أيلول سبتمبر 2011 ص: 9 .[7]
 راجع سهيل حسين الفتلاوي ، القانون الدولي العام الجزء الثاني ، حقوق الدول وواجباتها ـدار الثقافة بيروت ط 1 سنة2007 من ص 28إلى 46[8]
 التوصية 1514 الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 14 ديسمبر 1960 .[9]
 ياسر غازي علاونه، فلسطين و عضويتها كدولة في الأمم المتحدة ، مرجع سابق ، ص: 10[10]
 يوسف البحيري ، مرجع سابق ، ص: 134 ، 135 .[11]
 موقع الأمم المتحدة الإلكتروني : تاريخ الولوج 15-5-2013 / 18:31 www.un.org [12]
    قرار الجمعية العامة بقبول فلسطين عضو مراقب بالأمم المتحدة تاريخ الولوج 15-4-2013/ 22:40 www.un.org [13]

الأربعاء، 14 أكتوبر 2015

المحاكم الدستورية في صيانة حقوق الإنسان، نموذج المحكمة الدستورية الإسبانية.

تشكل الحماية الدستورية للحقوق و الحريات الأساسية النواة الهامة في الدراسات المعاصرة، ولدا حاول المشرع الدستوري ومن تم القضاء الدستوري إرساء وسائل و آليات حقيقية لتك الحماية.
يعتبر الدستور في إطار الثقافة الديمقراطية الحديثة مصدرا أساسيا لتحديد معالم النظام القانوني في الدولة لما يتضمنه من مبادئ وأحكام تسود حياتها ومؤسساتها وشرعت سلطة القائمين عليها.
والدستور يسمو على جميع السلطات العامة في الدولة نظرا لما يتضمن من قواعد وحقوق تعتبر تابعة من إرادة الشعب غير أن هذا السمو يغدو مجرد لفظ أجوف غير مضمون ولو كان بمقدور هيآت و مسؤولين الدولة انتهاكه دون أن يكون هنا كجزاء يتقرر على ذلك الانتهاك . إذ يجب أن تكون هناك العديد من الضمانات التي تكفل احترام هذه السلطات العامة للحقوق والحريات التي ينص عليها الدستور، ومن أهم الضمانات التي عملت مختلف الأنظمة الدستورية على توفيرها لفرض احترام الدستور نجد القضاء الدستوري.
(والعدالة الدستورية التي تعني في أبسط معانيها مجموع القوانين والأجهزة المختصة بالنظر في مدى مطابقة القوانين الدستورية وكذا البث في صحة انتخاب أعضاء البرلمان وصحة عمليات الاستفتاء).
وقد كان من بين أسباب ظهور القضاء الدستوري الصراع القائم بين البرلمان والملك، ثم تطور مع الثورة الفرنسية التي تضمنت مجموعة من الحقوق الأساسية والتي يجب احترامها غير أن القضاء الدستوري بمعناه الحديث قد ظهر في و م أ وبالذات سنة 1803 في القرار المشهور بقرار ماديسون ضد ماريوي والذي ظهر في عهد مارشال رئيس المحكمة العليا حيث أقر القضاء بالإجماع ضرورة احترام القانون الدستوري على الرغم من عدم وجود نص في الدستور يمنح للمحكمة هذا الاختصاص ثم بعد ذلك انتقل هذا الأمر إلى دول أمريكا اللاتينية ثم تحول إلى أوروبا عقب الحرب العالمية الأولى، بعد ذلك انتشرت موجة القضاء الدستوري لتشمل مجموع دول العالم، حيث أطلق البعض اسم القانون الدستوري للحريات على ذلك القانون الذي ينظم العلاقات بين الدولة ومؤسساتها والأفراد ويسند للمواطنين عددا من الحقوق والحريات الأساسية .
وقد سبق أن أشرنا أن الدستور هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة يتضمن مجموعة من الحقوق والحريات مثل الحق في الشغل ، حرية الرأي، الحق في الانتخاب، المساواة ... وأسند بصفة خاصة إلى البرلمان الحق بالتشريع في هذه الحقوق والحريات ولكن ما يقع عمليا هو تطاول الحكومة على اختصاصات البرلمان ، كما أنه أثناء قيام البرلمان أو الحكومة بالتشريع قد لا يتم احترام نصوص وقواعد الدستور الأمر الذي يتطلب تدخل الجهاز المكلف لحماية الدستور وهو المحكمة الدستورية ، إما من أجل الحفاظ على التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية أو من أجل فرض احترام القوانين الأدنى للوثيقة الدستورية، والقوانين التي تصدرها الأجهزة المختصة غالبا ما تتعلق بحقوق وحريات الأفراد ومن ثم فقيام المجلس الدستوري بمراقبة احترام القوانين الدنيا للقوانين الأسمى هو في نفس الوقت حماية لحقوق وحريات الأفراد .
ولعل تناول موضوع دور القضاء الدستوري في حماية الحقوق والحريات لا يخلو من أهمية قصوى وذلك لعدة اعتبارات أهمها :
-
المكانة التي تحتلها الحقوق والحريات بالنسبة للأفراد
-
كون احترام الحقوق والحريات هو ترجمة لدولة الحق والقانون
-
أن الموضوع ونظرا لطبيعته الحساسة فهو يتدخل فيه ما هو قانوني مع ما هو قضائي وما هو سوسيولوجي أي أنه موضوع تقاطع فيه مختلف المقاربات.
ومن أجل الإحاطة بالموضوع بنوع من الشمول سنحاول الإجابة عن التساؤلات التالية التي يثيرها :
ما هو الجهاز القضائي المكلف بحماية الدستور في إسبانيا ؟ وهل هيكلة واختصاصات المجلس الدستوري تساهم في احترام حقوق وحريات الأفراد؟ ما هي تجربة هذا المجلس في مجال حماية الحقوق والحريات؟ بمعنى آخر كيف هي توجهات المجلس في هذا الإطار هل هي اجتهادات إيجابية تؤسس لقضاء دستوري فعال أو هي اجتهادات سلبية ؟ ثم ما هي الحدود والقيود التي يقف حجر عثرة أمام المجلس في تحقيق الأهداف التي أنشأ من أجلها ؟
وللإجابة عن هذه الإشكاليات ستكون خطة البحث وفق المنهج التالي:
المبحث الأول: البناء الدستوري و السياسي للملكية البرلمانية في دستور 1978.
المبحث الثاني: عمل المجلس الدستوري في حماية الحقوق والحريات.


المبحث الأول: البناء الدستوري و السياسي للملكية البرلمانية في دستور 1978.
لما كنت إسبانيا قد إختارت بموجب دستور 1978 " النظام البرلماني التقليدي" كشكل للنظام السياسي على غرار ما اتبعته انجلترا، فإن الضرورة تقتضي في هذا الصدد أن نعرف النظام البرلماني الإسباني من الناحية النظرية كأسلوب لتكييف العلاقة النيانية بين المؤسسات الدستورية.
لقد ورد اصطلاح " الشكل السياسي للدولة " في المادة الأولى من الدستور، وقام بتوضيحه لإضافة عبارة " الملكية البرلمانية " ولها لا يجوز أن نستند في تحليلنا إلى أية نظرية كلاسيكية لتحديد أو تكييف النظام الإسباني و مؤسساته، الأعلى وضوء هاذين الاصطلاحين المشار إليهما، لأن الدستور قصد بكل بساطة ما جاء في المادة 56 منه " بأن الملك هو رئيس الدولة..." وما جاء كذلك في المادة 66 " البرلمان يمثل الشعب الإسباني الذي هو مصدر لكل سلطات الدولة " وهذان إذا أضفنا الجهازان هما اللذان يحددان الشكل السياسي للدولة، خاصة إذا أضفنا إليهما الحكومة التي توقع بالعطف على أعمال الملك، وتكون مسئولة عنها، وتوجه السياسة الداخلية و الخارجية، و تمارس الوظيفة التنفيذية التي تقع تحت ظل السلطات الرمزية للملك.
وبناء على هذه الإعتبارات يكاد الفقه الدستوري الإسباني أن يجمع على أن النظام البرلماني الإسباني يقوم أصلا على " مبد التوازن و التعاون" .
وأحيانا التداخل بين السلطة التشريعية و التنفيذية، يظهر مبدأ " التوازن " بين سلطة من السلطات الدستورية، في عدم وجود تبعية قوية أو هيمنة سيئة لإحداهما على الأخرى، وفي حين يظهر مبدأ التعاون بين السلطات من خلال التنصيص على " شبكة" من العلاقات المتبادلة بين الملك و البرلمان و الحكومة ومع ذلك يصح القول بأن تدخل البرلمان يطال كل اختصاصات الملك، ولا يضعف من مركزه، وإنما يجعل منه سلطة شكلية أو مؤسسة رمزية لا تقوم إلا بدور الحكم فيما شيب من نزاع بين البرلمان و الحكومة من خلال ما أشرنا إليه من العلاقات البنائية تبادلا وتعاونا و تداخلا بين الملك و البرلمان و الحكومة، ننتهي إلى القول بأن الملك في إسبانيا ما هو إلا صورة مجردة ورمز لوحدة الدولة، أما سلطة الحكم الحقيقية فقد انتقلت إلى البرلمان و الحكومة.
ومع ذلك لازال بعض الفقه يعتقد بأن للملك نفوذا أدبيا كبيراً، و يتمتع بشعبية  تكاد تكون مطلقة، ذلك أن أغلبية الشعب الإسباني لا يوافق على ما ينادي به حزب السيار الموحد بضرورة إلغاء النظام الملكي و إحلال محله النظام الجمهوري.
وإذا كان النظام السياسي الإسباني نظام ملكي برلماني، فإنه لا يأخد بالفصل المطلق بين السلطات، و إنما كرس علاقات التعاون و التوازن بين السلطة التشريعية و التنفيذية، وقيد اختصاصات الملك بالوظيفة العامة " البرلمان "، وجعل علاقته مع الحكومة مجرد مؤشر على قراراتها، لذلك سنحاول توضيح هذه الأسس على الشكل التالي:
أـ الأسس الدستورية للربط البنائي و حماية المؤسسة التشريعية للملكية.
يلاحظ على علاقة الملك بالبرلمان بأنها علاقة غير متوازنة تميل لصالح البرلمان، لأن هذا الأخير يلعب دوراً خطيراً في عملية توارث التاج رغم أن الدستور حصره في سلالة آل بوربون، خاصة و أن الدستور و القوانين المكلمة لم تمنع السلطة التأسيسية " البرلمان " من القيام بتعديل النظام السياسي أو التراجع عن صلاحيات الملك.
ولذلك نجد البرلمان بعد وضع الدستور قام بتغيير مجموعة من القوانين الأساسية التي تكمل نظام التوراث و الوصاية " ودار الملك"، بالإضافة إلى إلغاء أجهزة ومؤسسات ملكية كانت موروثة على عهد فرانكو، كما أن البرلمان يتدخل في كل اختصاص يمارسه الملك، سواء في المجال الوطني أو في المجال الدولي، أو حتى المجال التشريعي.
و يتحدث الباحثون في القانون الدستوري الاسبامي على ثلاثة خصائص جوهرية تكاد تكون مشتركة بين معظم الملكيات السائدة في الأنظمة الغربية حالياً، وهذه الخصائص هي:
أولا: ينظر إلى التاج بإعتباره " الجهاز الدستوري المتوارث" يتولى من خلاله الملك رئاسة الدولة عن طريق الوراثة بحيث تكون مدة الرئاسة في ظله غير محدودة بمدة معينة، وذلك يمنع على أية سلطة في الدولة التدخل في هذا الأمر و الحيلولة بينه وبين منصب رئاسة الدولة، إلا في حالات خاصة.
ثانيا: إن التاج ليس الجهاز السائد، بل هو رمز لوحدة الدولة و ضمان استمراريتها.
ثالثا: إن التاج ليس جهازا فوق الدستور بل جميع سلطاته تنبثق من الدستور و القوانين المكملة له، و يتولى مهامه وفق الأسس و المضامين الواضحة التي ينص عليها.
ويعتقد كثير من الباحثين الإسبان بأن أساس خضوع الملك للدستور، يترتب عن الإخلاص الذي يؤديه الملك أما البرلمان، ومن ثم ينظر إلى هذا النوع من الخضوع من الناحية الأخلاقية و السياسية أكثر منها من الناحية القانونية.
ب ـ أنواع الإستفتاءات في النظام الدستوري الإسباني.
تبنت العديد من دساتير العالم مبدأ الاستفتاء الشعبي كنظام يتم فيه اللجوء إلى فئة من أفراد الشعب كما أشرنا ليقرر في أمر من الأمور، لكن دستور اسبانيا افترض بأن التاج بباقي المؤسسات قد تعتريه صعوبة في أداء الوظائف " ذات المضمون السياسي" فحسم إمكانية حدوث نزاع بين الملك و البرلمان بالإحتكام إلى الشعب، الذي يجسد السيادة الوطنية ، ويختار ما يناسبه من قرارات بواسطة الاستفتاء الشعبي الإستشاري.
اعتاد الباحثون الأسبان على تقسيم الإستفتاء في النظام الدستوري الإسباني ‘لى أربع استفتاءات استشارية وهي:
أولا: الاستفتاء الاستشاري السياسي الوطني.
نص دستور 1978 في المادة 92 على ما يلي:
الفقرة الأولى: يمكن للقرارات السياسية ذات الأهمية الخاصة أن تخضع للاستفتاء الاستشاري لجميع المواطنين.
هذا فيما يتعلق بالقرارات السياسية ذات الأهمية الخاصة، ويشترط فيه وفقا للمادة 6 من القانون التنظيمي للاستفتاءات ما بلي:
ترخيص مسبق بطلب من مجلس النواب و الموافقة عليه بأغلبية مطلقة من أعضاءه، ويكون الترخيص بطلب من رئيس الحكومة بعد المداولة في مجلس الوزراء.
ثانياً: الاستفتاءات الجهوية و الإقليمية.
تضع غرفتا البرلمان النظام الأساسي للجماعات المستقلة ذاتيا، وتحيلانه على اللجنة الدستورية لمجلس النواب للموافقة عليه نهائيا خلال أجل شهرين، و يقدم للاستفتاء الذي يفترض فيه قانونيا أن يكون إيجابيا، ويحصل في كل مقاطعة على الأغلبية المطلقة من أصوات الموجودين.
ويعتبر النظام الأساسي للاستقلال الذاتي من أصعب القوانين، لأنها تتطلب إجراءات و استشارات و تراض، لذلك احاطها الدستور و القوانين المكملة بكثير من الضمانات، ومن أهمها أن تخضع بعد وعها من جديد للاستفتاء الشعبي وفق ماهو منصوص عليه في المادة 8 من قانون الإستفتاء، و يتطلب :
1 : الموافقة على الإستفتاء حول القانون الأساسي للاستقلال الذاتي في الدستور ( المادة 151).
2 :أن يكون القانون الأساسي موافق عليه إذا حصل في كل عمالة على أغلبية الأصوات الموجودة، مستوفيا للشكليات المنصوص عليها في الدستور.
د: الإستفتاءات المحلية.
هذا النوع من الاستفتاءات بقي إلى حدود هذه اللحظة بدون قانون تنظيمي باستثناء بعض القواعد الموجودة في قانون الاستفتاء، فلم تتضمن أسلوب الاستشارة الشعبية، التي يمكن أن تحدث بواسطة البلديات في الشؤون الكبيرة المرتبطة لقضايا ذات " طبيعة بلدية وفي نطاق نفوها لذلك لازالت حتى الساعات محتكرة من طرف الدولة".
ج: الاستفتاء حول مراجعة الدستور.
وتجدر الاشارة إلى أن هناك تعريفات للاستفتاء الدستوري أهمها:
أن الاستفتاء الدستوري يعني عرض مشروع دستوري على الشعب للموافقة عليه أو رفضه.
ويمكن القول بأن هذا التعريف وغيره من التعاريف التي أطلعنا عليها يعتريها كثير من النقصان و لذلك سنحاول أن نعرفه كالآتي حيث يقصد بالإستفتاء الدستوري أن تعرض الجهة المختصة قانونيا مشروع إنشاء أو تعديل الدستور على أفراد معنيين من الشعب، وبعد أن يستوفي المشروع كل الإجراءات ليتخذ موقفه بالقبول أو الرفض.










المبحث الثاني: عمل المجلس الدستوري في حماية الحقوق والحريات.
قد يتساءل البعض عن علاقة حماية الحقوق والحريات بتشكيلة المجلس واختصاصاته ؟.
من خلال هذه النقطة لن نعمل على سرد تشكيلة المجلس بقدر ما سنعمل على إبراز مظاهر حماية الحقوق والحريات داخل التشكيلة .
لقد كان من بين الإصلاحات الدستورية التي ميزت فترة أواخر السبعينيات من القرن الماضي هو إنشاء قضاء دستوري مستقل.
تنص المادة 159 من دستور 1978 على أنه: تتكون المحكمة الدستورية من 12 عضواً يعينون من طرف الملك: أربعة بإقتراح من مجلس النواب، و أربعة من إقتراح مجلس الشيوخ ( الكورتيس ) و عضوان من الحكومة، و عضوان من مجلس العام للسلطة القضائية.
كما تنص المادة 204 من القانون الداخلي لمجلس الشيوخ على ما يلي:
الفقرة الأولى/ يختار مجلس الشيوخ أربعة قضاة في المحكمة الدستورية و يعرضون على الملك ليعينهم وفق المادة 159 من الدستور، ويمكن لكل فريق برلماني أو عشر أعضاء تقديم أكثر من مرشح كإقتراح لتغطية المناصب من الذين تشملهم الشروط المنصوص عليها في هذا القانون.
كما يقوم الملك بتعيين رئيس الحكومة من بين أعضاءها في الجلسة العامة، وإذا كان الملك هو الذي يصادق على مراسيم التعيين المنصوص عليها في الفقرة السابعة من القانون المنظم للإدارة المركزية فإنه في نفس المادة هو الذي يصادق على مراسيم الإقالة و الإستقالة.
ومما تجدر الإشارة إليه فإن النظام الإنتخابي الحالي من طرف البرلمان لقضاة المجلس العام للسلطة القضائية، و قضاء المحكمة الدستورية رغم نجاعته و عدالته على مستوى استقلال القضاء الإسباني و على مستوى نتائجه الإيجابية، يتعرض لانتقادات تتزايد يوما بعد يوم من طرف الباحثين و القضاة و رجال السياسة.
فالباحثون يعتقدون بأن تعيين القضاة من البرلمان و الحكومة يتعارض مع مبدأ فصل السلطات و استقلال القضاء.
من خلال هذه التشكيلة يمكن إبداء عدة ملاحظات قد تهم مسألة حقوق و حريات الأفراد :
- أن هيآت سياسية هي التي تعين هذه الهيئة القضائية الكبرى ولا يمكن أن يفلت تعيينها من تفعيلات ذاتية فيما يتعلق بمدة العضوية وعدم القابلية للتجديد فكلما كانت مدة العضوية طويلة وغير قابلة للتجديد زاد ذلك من استغلال الأعضاء ، فالقاضي الذي يعين لمدى الحياة أو لمدة طويلة يتوفر شروط أفضل للاستقلال عن السلطة التي تعينه وعن بقية السلطات في حين أن المدة القصيرة أو القابلة للتجديد تجعل الذي يطمع للاستمرار أو التعيين في منصب رفيع بعد انتهاء ولايته يأخذ ذلك بعين الاعتبار في اجتهاداته ومواقفه ويكون أميل إلى إرضاء السلطة التي لها تأثير على مستقبله بالمجلس أو مستقبله المهني بدل العمل على تطبيق القانون تطبيقا سليما.
وقد عرفت مسألة مدة العضوية وعدم القابلية للتجديد تطورا إيجابيا في اسبانيا  مع دستور 1978، ومن تم يمكن القول أن الزيادة في طول المدة وعدم إمكانية تجديد العضوية مسائل تشكل تقدما كبيرا يدعم استقلالية العضو وبالتالي ضمانة لحريات الأفراد وحقوقهم .
كذلك من بين ضمانات حماية حقوق الأفراد وحرياتهم انطلاقا من تشكيلة وتنظيم المحكمة الدستورية نجد مسألة عدم قابلية أعضاء هذه المحكمة للعزل وهذا يعني أن عضو المحكمة الدستورية لا يمكن عزله أو إقالته من جهة قبل نهاية ولايته مادام يتوفر على الشروط فما لم يقدم العضو استقالته بصفة اختيارية.
كذلك من مظاهر حماية الحقوق والحريات من وجهة تشكيلة هيئة المحكمة الدستورية هو مسألة الاستقلال المادي للأعضاء فالاستقلال المادي يعد مدعما للاستقلال المهني والفكري للقضاء حتى لا يخضعوا لأي تأثير وإغراء ولهذا تتنافى العضوية في المحكمة الدستورية مع كل انتداب تمثيلي، ومع المناصب السياسية أو الإدارية، ومع أداء وظائف توجيه في الحزب السياسي أو النقابة و العمل لمصلحتها، وممارسة سلك القضاء و النيابة العامة أو أي نشاط تجاري أو مهني. ( الفقرة 4 من المادة 159 من الدستور).
و من جهة كما خولهم تعويضات توازي التعويضات الممنوحة لأعضاء البرلمان وخول لرئيس المحكمة نفس التعويضات والامتيازات الممنوحة لرئيس مجلس البرلمان لكن مسألة الاستقلال المادي لأعضاء المحكمة الدستورية تطرح بعض الملاحظات.
أ ـ إختصاصات المحكمة الدستورية.
للمحكمة الدستورية ولاية قضائية في كل الإقليم الاسباني و تختص بالنظر:
1ـ في الطعن في عدم دستورية القوانين و النصوص القانونية ذات قوة القانون، و الإعلان عن عدم دستورية قاعدة قانونية ذات قوة القانون، وتفسر بواسطة الاجتهاد الفقهي، وتؤدي بناء عليها إلى إصدار حكم أو أحكام ملزمة تتمتع بقوة الشيء المقضي به.
2ـ في طعن الحماية لخرق الحقوق و الحريات المحددة في الفقرة الثانية من المادة الثالثة و الخمسين من الدستور الاسباني وهي :
يمكن لأي مواطن أن يطالب بالوصاية على الحقوق و الحريات المحددة في المادة 14 و في الفرع الأول من الفصل الثاني أمام المحاكم العادية و بواسطة قائمة على مبدأ الأفضلية و الاستعجال وعند الاقتضاء الطعن أمام المحكمة الدستورية و يطبق هذا الطعن الأخير بالإمتناع الضميري المحدد في المادة 30. وهناك حالات و أشكال يحددها الدستور.
3ـ في تنازع الاختصاص بين الدولة و الجماعات المستقلة أو فيما بين هذه الأخيرة.
4ـ في بقية المجالات التي أسندها إليها الدستور أو القوانين التنظيمية. كما يمكن للحكومة أن تطعن أمام المحكمة الدستورية في النصوص و القرارات المتخذة من طرف أجهزة الجماعات المستقلة، ويودي الطعن إلى تعطيل النص أو القرار المطعون فيه، ويجب على المحكمة أن توافق على تعطيله أو رفضه عند الاقتضاء في مدة لا تتجاوز خمس أشهر.
يمكن القول أن تشكيلة المحكمة الدستورية والشروط النظامية للقضاة فيها  تضمن بما يكفي نزاعتهم واستقلالهم عن السلطات السياسية مما يجعل ذلك يساهم في حماية واحترام الحقوق والحريات لكن ذلك يتوقف إلى حد كبير على ما سيقوم به هؤلاء الأعضاء وقت مزاولتهم لاختصاصاتهم وقدرتهم على المراهنة بأنهم قضاة يعملون على حماية المقتضيات الدستورية وضمان الحقوق والحريات وبالتالي حماية سمو وسيادة الدستور .
... لكن الإشكال الذي قد يطرح هو مدى توقف سلطات التعيين في انتفاء الأشخاص المتوفرين على ما يكفي من شروط الكفاءة المهنية والنزاهة الفكرية والأخلاقية للقيام بمهامهم على أحسن وجه كما أنه من خلال الإطلاع على قرارات واجتهادات المحكمة بإسبانيا، يتأكد بالفعل بأنه أبان عن فعالية كبرى مما يثبت استحقاقه للمكانة الدستورية التي يتمتع بها فهو ساهم ويساهم في حماية الحقوق والحريات وفي فرض احترام مقتضيات الدستور وعليه إن كانت هذه هي أهم مظاهر حماية حقوق وحريات الأفراد من وجهة تشكيلة المحكمة الدستورية. نتساءل عن أهم تجليات حماية الحقوق والحريان من وجهة اختصاصات المحكمة؟
ب ـ  تمظهرات حماية الحقوق والحريات من خلال اختصاصات
المحكمة الدستورية.
سوف نحاول التطرق في إطار هذه النقطة الفرعية إلى أهم تجليات حماية الحقوق والحريات من جهة اختصاصات المحكمة الدستورية حيث أننا نجد من أهم اختصاصات المحكمة مراقبته لدستورية القوانين ثم البث في صحة انتخاب البرلمانيين إضافة إلى النظر في صحة عمليات الاستفتاء وكذلك البث في الطبيعة القانونية للنصوص وتأويل بعض القوانين التنظيمية ثم اختصاص البث في الوضعية القانونية لبعض الأشخاص بالإضافة إلى الاختصاصات الاستشارية ولكن بما أن موضوعنا محصور في تقييم عمل المحكمة من جانب الحقوق والحريات فإننا سنحاول التركيز على أهم الاختصاصات التي لها علاقة بحماية الحقوق والحريات وأبرزها :
1 ـ  مراقبة دستورية القوانين :
ضمن هذا الاختصاص يدخل مراقبة مطابقة القوانين التنظيمية للدستور وكما نعلم جميعا فالقوانين التنظيمية هي مكملة للدستور على اعتبار أن الدستور لا يمكنه التفصيل في كل الأمور فإنه يحيل الجوانب التفصيلية على القوانين التنظيمية ، وهكذا فقد حددها الدستور.
ويشمل مجال مراقبة دستور القوانين أيضا مراقبة دستورية النظام الداخلي لمجلس البرلمان وهي الأخرى تعتبر إجبارية ومسبقة ، والهدف من هذه المراقبة هو الحرص على تعدي البرلمان لاختصاصاته ، و إسناد اختصاصات أو مساطر قد تمس باختصاصات أو حقوق الحكومة أو باقي المؤسسات الدستورية . كما أن قبول المحكمة للنظام الداخلي يوفر حماية مدعمة لحقوق البرلمان وأعضائه.
لكن في نظرنا يبقى أهم اختصاص تمارسه المحكمة الدستورية هو مراقبتها لدستورية القوانين العادية على اعتبار أن القوانين العادية غالبا ما تكون متصلة بحقوق وحريات الأفراد ، وهكذا فيمكن للمحكمة الدستورية أن يدفع بعدم دستورية قانون ما؛ لتجاوز المشرع لاختصاصاته في مجال القانون العادي كالتشريع مثلا في مجال تنظيمي بواسطة قانون عادي وإما لوجود عيب في المسطرة وإما لخرق المشرع لمقتضيات دستورية كانتهاء القانون لحق يضمنه الدستور مثلا .
ورغم أهمية هذا الاختصاص الذي تضطلع به المحكمة الدستورية في مجال حماية الحقوق والحريات فإنه مع ذلك يبقى محدودا وهذا راجع إلى عدة اعتبارات أهمها :
أن نطاق ومجال عمل القضاء الدستوري محصور في تطبيق القانون وليس خلقه ، إذ حينما يكون النص الدستوري يقبل تأويلات متعددة ويحمل معاني مختلفة فهنا يتحول دور القاضي الدستوري من العمل على مطابقة مضمون نصيب بتراتبية مختلفة ( الدستور / القانون العادي) إلى وظيفة التأويل مما يجعل في هذه الحالة عمل القضاء الدستوري غير محصور في صورة أفوات للدستور إنما يتعداه إلى خلق القاعدة القانونية المطبقة .
إن ممارسة مراقبة دستورية القوانين العادية تبقى مسألة اختيارية وليس إلزامية مما يحد من فعالية عمل المحكمة الدستورية في حماية الحقوق والحريات.
2 ـ اختصاص البث في صحة انتخاب البرلمانيين.
إضافة إلى هذه الاختصاصات المشار إليها أعلاه هناك اختصاص مهم يساهم في حماية الحقوق والحريات وهو المتعلق باختصاص البث في صحة انتخاب البرلمانيين وأهميته راجعة لكون الناخبين والمرشحين المعنيين بإمكانهم الطعن في نتائج الانتخابات وفي القرارات التي تتخذها الأجهزة الساهرة على عملية الانتخابات ( مكاتب التصويت ، المكاتب المركزية ... ) وقد حدد للقاضي الدستوري ثلاث حالات على سبيل الحصر يمكنه التصريح فيها ببطلان العملية الانتخابية جزئيا أو مطلقا وهي :
إذا لم يجر الانتخاب طبقا للإجراءات المقررة في القانون
إذا لم يكن الاقتراع حرا أو شابه مناورات تدليسية.
 إذا كان المنتخب أو المنتخبون من الأشخاص الذين لا يجوز لهم الترشيح للانتخابات بمقتضى القانون أو بموجب حكم قضائي.
وباستقرائنا لحصيلة عمل المحكمة الدستورية نلاحظ هيمنة الطعون الانتخابية على أغلب قراراته لكن ما يمكن ملاحظته أيضا في هذا المجال هو وجود بعض الثغرات التي قد تؤثر على اختصاص المحكمة الدستورية في حماية الحقوق والحريات في المجال الانتخابي مثل عدم تحديد أجل للبث في الطعون منذ يوم تقديمها مما يترتب عنه تأخير في البث في عدد من القضايا لأكثر من سنتين.


خاتمة:
إن أهم ما يمكن استنتاجه هو انه إذا كان المشرع الدستوري الاسباني قد تمكن من وضع ترسانة تشريعية دستورية حديثة تضاهي تلك الموجودة في الدول العريقة في الديمقراطية ، فإن ما يمكن ملاحظته هو الخلل الذي لازالت تعاني منه الأجهزة الساهرة على إقرار العدالة الدستورية تتجلى أساسا في عدم تحديد آجال للبث في المنازعات الانتخابية تواضع طرق التحقيق وتجهيز الأحكام، عدم نشر وتبليغ الأحكام، عدم إتاحة الفرصة للرأي المخالف ولقيام المحكمة بتصريحات واقتراحات الإصلاح ضعف وسائل الطاعنين وحقوق الأطراف الشيء الذي يجعله في حاجة إلى مزيد من التفعيل والتحلي بالمزيد من الجرأة في معالجة القضايا حتى يرقب إلى تطلعات وانتظارات المواطنين.



لائحة المراجع :
أحمد حضراني القانون الدستوري والمؤسسات السياسية طبع مكتبة سجلماسة مكناس الطبعة الأولى 2002 .
أحمد السوداني،الهوية السياسية الملكية البرلمانية  في إسبانيا، الجدور التاريخية و البناء الدستوري (1808- 2011) ،دون دار النشر، سنة 2011.
شعير الطيب أحمد عبد الله المتوكل : قرارات المجلس الدستوري دار النشر الجسور وجدة 1948.
عيد أحمد الغفلول، الرقابة السابقة على دستورية المعاهدات الدولية القاهرة، دار النهضة العربية دون تاريخ النشر.
أحمد فتحي سرور، الحماية الدستورية للحقوق و الحريات، دار الشروق القاهرة، 2000.